بقلم المستشار القانوني علي القدومي

تشهد المملكة المتحدة واحدة من أكثر المعارك السياسية والقانونية حساسية في ملف الهجرة منذ سنوات، بعد التقارير التي نشرتها الصحافة البريطانية اليوم، والتي كشفت عن وجود مراجعة حكومية جادة لخطة تمديد المدة اللازمة للحصول على الإقامة الدائمة من خمس سنوات إلى عشر سنوات ضمن نظام «الإقامة المكتسبة.. (Earned Settlement).

ورغم أن الحكومة كانت قد قدمت المشروع باعتباره جزءاً من استراتيجية شاملة لإصلاح نظام الهجرة وتشديد شروط الاستقرار الدائم في البلاد، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الضغوط السياسية والاعتراضات القانونية بدأت تفرض واقعاً جديداً قد يدفع الحكومة إلى إعادة حساباتها.

من خمس سنوات إلى عشر سنوات… لماذا أثار المشروع كل هذا الجدل؟

لطالما شكّلت الإقامة الدائمة في بريطانيا محطة قانونية مستقرة للمهاجرين الذين استوفوا شروط الإقامة والعمل والاندماج. وقد اعتمد عشرات الآلاف من حاملي تأشيرات العمال المهرة وأسرهم على النظام القائم، الذي يتيح التقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد خمس سنوات من الإقامة القانونية.

غير أن الورقة البيضاء للهجرة التي طرحتها الحكومة مؤخراً حملت تحولاً جذرياً يتمثل في تمديد هذه المدة إلى عشر سنوات، وهو ما أثار مخاوف واسعة النطاق داخل الأوساط القانونية والاقتصادية والبرلمانية.

الإشكالية الكبرى لا تكمن فقط في مضاعفة المدة الزمنية، بل في السؤال الأكثر خطورة: هل ستُطبق هذه القواعد على الأشخاص الموجودين بالفعل داخل المملكة المتحدة والذين دخلوا البلاد وفق نظام قانوني مختلف؟

مبدأ «التوقع المشروع»… العقبة القانونية الأكبر أمام الحكومة

من الناحية القانونية، يواجه مشروع الحكومة تحدياً بالغ الأهمية يتمثل في مبدأ "التوقع المشروع" (Legitimate Expectation)، وهو أحد المبادئ الراسخة في القانون الإداري البريطاني.

فقد انتقل آلاف العمال المهرة وأسرهم إلى المملكة المتحدة، واستثمروا أموالهم ومستقبلهم المهني والعائلي، اعتماداً على القواعد التي كانت تضمن لهم طريقاً واضحاً نحو الإقامة الدائمة بعد خمس سنوات.

ومن هنا، فإن أي محاولة لتغيير قواعد اللعبة بأثر رجعي قد تفتح الباب أمام موجة من الطعون القضائية والمراجعات القانونية، خاصة إذا اعتبرت المحاكم أن الأفراد اتخذوا قراراتهم المصيرية استناداً إلى وعود وسياسات حكومية قائمة آنذاك.

صحيح أن البرلمان البريطاني يتمتع بسيادة تشريعية واسعة، إلا أن القضاء البريطاني يراقب دائماً مدى عدالة القرارات الإدارية ومدى توافقها مع مبادئ الإنصاف واليقين القانوني.

لماذا بدأت الحكومة بالتراجع؟

تشير المعلومات المتداولة اليوم إلى أن الحكومة تواجه معارضة غير مسبوقة داخل حزب العمال نفسه، حيث أبدى عدد كبير من النواب تحفظات جدية على تطبيق الإصلاحات بأثر رجعي.

وبحسب التقارير، فإن وزارة الداخلية تدرس حالياً منح استثناءات لما يصل إلى 1.6 مليون مهاجر وصلوا إلى بريطانيا منذ عام 2021، بما يسمح لهم بالاستمرار ضمن مسار السنوات الخمس بدلاً من الانتظار عشر سنوات كاملة.

هذا التراجع المحتمل لا يعكس فقط ضغوطاً سياسية، بل يعكس أيضاً إدراكاً متزايداً لحجم التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية التي قد تنجم عن تنفيذ المشروع بصيغته الأصلية.

التأثير الاقتصادي… أزمة جديدة في سوق العمل؟

يعتمد الاقتصاد البريطاني اليوم بصورة متزايدة على العمالة الماهرة القادمة من الخارج، ولا سيما في قطاعات الصحة والرعاية والهندسة والتكنولوجيا والخدمات المالية.

ويرى خبراء الهجرة أن تمديد مدة الانتظار للحصول على الإقامة الدائمة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، منها:

* تقليص جاذبية المملكة المتحدة للكفاءات العالمية.

* زيادة حالة عدم اليقين لدى أصحاب العمل والمستثمرين.

* ارتفاع معدلات انتقال العمال المهرة إلى دول منافسة مثل كندا وأستراليا.

* إضعاف الاستقرار الأسري والنفسي لعشرات الآلاف من الأسر المقيمة في البلاد.

كما أن استمرار الغموض التشريعي لفترات طويلة قد يؤدي إلى آثار اقتصادية تتجاوز قطاع الهجرة نفسه.

ماذا ينتظر العمال المهرة الآن؟

حتى هذه اللحظة، لا يوجد أي تغيير قانوني نافذ، وما زالت القواعد الحالية تمنح حاملي تأشيرات العمال المهرة الحق في التقدم بطلب الإقامة الدائمة بعد خمس سنوات من الإقامة القانونية المستمرة.

غير أن الأشهر المقبلة ستكون حاسمة، إذ من المتوقع أن تكشف وزارة الداخلية خلال الخريف عن الصيغة النهائية لنظام «الإقامة المكتسبة»، وعن طبيعة الترتيبات الانتقالية والاستثناءات المحتملة.

ويبقى السؤال القانوني والسياسي الأكبر: هل ستنجح الحكومة في فرض رؤيتها الجديدة للهجرة، أم أن الضغوط البرلمانية ومبادئ العدالة القانونية ستجبرها على التراجع؟

الأيام القادمة وحدها ستقدم الإجابة، لكن المؤكد أن ملف الإقامة الدائمة أصبح اليوم واحداً من أكثر الملفات سخونة وتأثيراً على مستقبل مئات الآلاف من المهاجرين وأسرهم في المملكة المتحدة.

التالي مصر… بطولة لا تختصرها النتيجة