فضيحة مانشستر سيتي تتصاعد..نحو نصف مليون جنيه للنواب وبيرنهام في وسط العاصفة
لندن – عرب لندن
تتصاعد في بريطانيا تداعيات الكشف عن تقديم جهات حكومية إماراتية ونادي مانشستر سيتي هدايا ورحلات وضيافة لمسؤولين ونواب من مختلف الأحزاب، في وقت يواجه فيه رئيس الوزراء آندي بيرنهام ضغوطا لكشف علاقاته السابقة بإدارة النادي ومُلّاكه في أبوظبي، بعد إدانة مانشستر سيتي بارتكاب مخالفات مالية خطيرة في الدوري الإنجليزي الممتاز.
وكشفت تحقيقات نشرتها صحيفتا"ذا صن"و"مترو" أن قيمة الضيافة والمزايا التي قدمت لنواب بريطانيين تجاوزت 467 ألف جنيه إسترليني منذ عام 2012، فيما بلغت قيمة التذاكر والضيافة التي قدمها مانشستر سيتي لسياسيين من مختلف الأحزاب أكثر من 25 ألف جنيه بين أكتوبر/تشرين الأول 2014 ومايو/أيار 2025. وأثارت هذه الأرقام مطالبات بتعزيز الشفافية والتحقيق في احتمال تضارب المصالح، لكنها لا تثبت، في حد ذاتها، أن المستفيدين ارتكبوا مخالفات أو غيّروا مواقفهم السياسية مقابل تلك المزايا.
أولا: 467 ألف جنيه من جهات إماراتية لنواب بريطانيين
بحسب تحقيق "ذا صن"الذي نقلت عنه "مترو" أظهرت سجلات المصالح المالية للنواب أن جهات حكومية ورسمية إماراتية قدمت مزايا وضيافة تتجاوز قيمتها 467 ألف جنيه إسترليني منذ عام 2012، عبر 78 قيدا مسجلا على الأقل، شملت رحلات جوية وإقامات وتذاكر فعاليات وضيافة فاخرة.
وحصل نواب حزب العمال على الحصة الأكبر، بقيمة تقارب 275 ألف جنيه عبر 28 قيدا شملت 25 نائبا، مقابل نحو 175 ألف جنيه لنواب المحافظين عبر 43 قيدا شملت 38 نائبا. كما بلغت قيمة المزايا المسجلة لنواب الحزب الوطني الاسكتلندي أكثر من 15 ألف جنيه، ولليبراليين الديمقراطيين 3500 جنيه، ولحزب الإصلاح ألف جنيه.
وشملت الجهات المقدمة للمزايا وزارة الخارجية الإماراتية، وحكومة الإمارات، ومجلس أبوظبي للتعليم، ومكتب ولي عهد أبوظبي. وأظهرت السجلات أيضا أن قيمة المزايا الإماراتية المسجلة للنواب خلال عام 2026 وحده بلغت 23,519 جنيها، بحسب التحقيق المنشور في "ذا صن" في 9 أكتوبر/تشرين الأول.
وأثارت هذه الأرقام تساؤلات بشأن حجم العلاقات بين مؤسسات الدولة الإماراتية والطبقة السياسية البريطانية، خصوصا أن المستفيدين ينتمون إلى أحزاب مختلفة، وأن بعض المزايا قُدمت في صورة رحلات وضيافة قد تتيح فرصا للتواصل المباشر مع مسؤولين وممثلين عن الدولة المانحة.
لكن إدراج الهدايا والضيافة في السجلات الرسمية لا يعني، بحد ذاته، ثبوت تأثيرها في قرارات النواب أو وقوع مخالفة؛ إذ يتطلب إثبات تضارب المصالح النظر في طبيعة المزايا، والجهات المقدمة لها، والقرارات التي قد تكون ذات صلة بها.
ثانيا: مانشستر سيتي.. أكثر من 25 ألف جنيه في تذاكر وضيافة للسياسيين
لم يقتصر الأمر على الجهات الحكومية الإماراتية؛ إذ أظهر التحقيق أن نادي مانشستر سيتي قدم تذاكر مباريات وضيافة لسياسيين من مختلف الأحزاب بقيمة تجاوزت 25 ألف جنيه بين أكتوبر/تشرين الأول 2014 ومايو/أيار 2025. وبلغت قيمة التذاكر والضيافة المقدمة لنواب من حزب العمال نحو 14 ألف جنيه، وفق التقرير.
وبرزت في السجلات أسماء شخصيات سياسية بارزة، من بينها:
لوسي باول: نائبة زعيم حزب العمال، حصلت على تذاكر مجانية لخمس مباريات خلال 11 شهرا، بقيمة إجمالية بلغت 2360 جنيها، بينها تذكرة ضيافة فاخرة بقيمة 840 جنيها لمباراة مانشستر سيتي ونيوكاسل في مارس/آذار 2024. وتمثل باول دائرة مانشستر المركزية، التي تضم ملعب الاتحاد.
أندرو ويسترن: نائب حزب العمال عن ستريتفورد وأورمستون، حصل على مزايا مرتبطة بأربع مباريات، من بينها تذكرتان للضيافة في مباراة درع المجتمع بملعب ويمبلي، بلغت قيمتهما 880 جنيها.
جيف سميث: نائب حزب العمال عن مانشستر ويذينغتون، تلقى ضيافة في أربع مناسبات، بينها تذكرة بقيمة 1798 جنيها لنهائي كأس الاتحاد الإنجليزي عام 2024.
كير ستارمر: رئيس الوزراء السابق، حصل على تذكرة بقيمة 900 جنيه لمباراة مانشستر سيتي وأرسنال في مارس/آذار 2024.
وتكشف هذه الأمثلة أن الضيافة الرياضية لم تقتصر على شخصيات ذات صلة مباشرة بإدارة مانشستر الكبرى، بل امتدت إلى سياسيين من مواقع مختلفة. غير أن القيمة المالية للتذاكر وحدها لا تثبت وجود مقابل سياسي، وإنما تطرح أسئلة بشأن قواعد قبول المزايا والإفصاح عنها، ومدى كفاية الضوابط الحالية لمنع تضارب المصالح المحتمل.
ثالثا: بيرنهام في قلب العاصفة.. من الإشادة بالمستثمرين إلى التعهد بكشف الاتصالات
تتركز الأنظار حاليا على رئيس الوزراء آندي بيرنهام، الذي تولى رئاسة بلدية مانشستر الكبرى بين عامي 2017 و2026، وعُرف بدعمه للاستثمار الإماراتي في المدينة، وبعلاقاته مع إدارة مانشستر سيتي.
وبعد صدور قرار اللجنة المستقلة بشأن المخالفات المالية للنادي، قال بيرنهام إنه سيكون «قلقا للغاية» إذا دفع القرار ملاك مانشستر سيتي في أبوظبي إلى بيع النادي، مشيدا بدورهم بوصفهم «شريكا كبيرا في بناء مانشستر الحديثة».
وأثارت تصريحاته انتقادات من المعارضة، التي طالبت بكشف تفاصيل لقاءاته واتصالاته بمسؤولي النادي وملاكه، وبنشر محاضر الاجتماعات والإفصاح عن الضيافة التي تلقاها. وقالت زعيمة حزب المحافظين، كيمي بادينوخ، إنه ينبغي نشر جميع التفاصيل المرتبطة بعمله مع النادي خلال توليه منصب العمدة، فيما طلب الليبراليون الديمقراطيون كشف محاضر الاجتماعات والهدايا والضيافة المرتبطة بالملاك.
ورد بيرنهام بأنه مستعد لنشر جميع تفاصيل تعاملاته مع ملاك النادي، مؤكدا أن القضايا الرياضية والمالية يجب فصلها عن الاستثمارات الأوسع في مانشستر. وأضاف أنه عقد اجتماعا رسميا مهما واحدا مع إدارة النادي خلال فترة توليه منصب العمدة، وذلك عام 2021.
وفي 12 أكتوبر/تشرين الأول، كشفت هيئة مانشستر الكبرى أن بيرنهام التقى رسميا برئيس مانشستر سيتي، خلدون المبارك، في أكتوبر/تشرين الأول 2021، خلال قمة الاستثمار العالمية التي نظمتها الحكومة البريطانية. كما التقى المبارك بصورة غير رسمية في مدرجات ملعب الاتحاد خلال مباراة تكريمية لقائد النادي السابق فينسنت كومباني في سبتمبر/أيلول 2019.
وقالت الهيئة إن ممثلين عن الأندية الرياضية كانوا يشاركون بصورة اعتيادية في الوفود التجارية خلال زيارات العمدة الخارجية، وإن موظفين من مانشستر سيتي دعموا زيارات إلى الصين واليابان. وأكدت أن اللقاءات المذكورة أُعلن عنها وفق الإجراءات المعتادة.
وتعود علاقة بيرنهام بالنادي إلى عام 2018 على الأقل، عندما حضر افتتاح مكتب لمانشستر سيتي في الصين خلال بعثة تجارية إلى شرق آسيا. كما أشارت "ذا صن" إلى حصوله على تذاكر لبعض الفعاليات الرياضية والموسيقية في مانشستر، بينها تذاكر لحفل "ماسيف أتاك"عام 2025، وتذاكر لحفل فرقة "كورتينرز" في 2024.
وبعد أيام من توليه رئاسة الوزراء في يوليو/تموز 2026، أجرى بيرنهام اتصالا بالرئيس الإماراتي محمد بن زايد آل نهيان، شقيق الشيخ منصور بن زايد، مالك مانشستر سيتي. وقبل صدور القرار المتعلق بالنادي بأيام، التقى خلدون المبارك وزير التجارة البريطاني جوناثان رينولدز في مقر رئاسة الوزراء. وذكرت «ذا صن» أن رينولدز كان قد سجل سابقا رحلات وإقامة بقيمة 3500 جنيه دفعتها الحكومة الإماراتية خلال زيارة إلى أبوظبي ودبي في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، قبل أكثر من عقد من الأحداث الحالية.
هذه الوقائع لا تثبت أن بيرنهام أو رينولدز تدخلا لمصلحة النادي، لكنها تفسر تصاعد المطالبات بفصل الاتصالات السياسية والتجارية عن أي مسار تأديبي أو قانوني يتعلق بمخالفات مانشستر سيتي، وبضمان أن تكون المعلومات متاحة بما يكفي لتمكين الجمهور من تقييم المسألة.
رابعا: قضية مانشستر سيتي.. مخالفات مالية تتجاوز 900 مليون جنيه
تفاقمت الأزمة بعدما أعلنت رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز، في 29 سبتمبر/أيلول 2026، أن لجنة مستقلة خلصت إلى ثبوت مخالفات مالية خطيرة ارتكبها مانشستر سيتي خلال تسعة مواسم، من 2009-2010 إلى 2017-2018، وأغلب الاتهامات المتعلقة بعدم التعاون مع التحقيق.
ووفقا لبيان الرابطة، خلصت اللجنة إلى أن النادي استخدم ترتيبات تجارية وصفتها بأنها «صورية» لتضخيم الإيرادات وإخفاء التكاليف، بما يتجاوز 900 مليون جنيه إسترليني، كما قدم حسابات غير دقيقة وأخفى الوضع المالي الحقيقي عن مدققي الحسابات والجهات المنظمة.
وأضافت الرابطة أن اللجنة وجدت أن النادي خالف بصورة كبيرة حدود الإنفاق المالي المعمول بها، وأنه بذل جهودا لعرقلة التحقيق. ولم تحدد اللجنة العقوبة النهائية في قرارها الأول، بل تركت مسألة العقوبات لمرحلة منفصلة من الإجراءات.
وينفي مانشستر سيتي ارتكاب المخالفات، وأعلن تمسكه ببراءته واستئناف القرار. ولذلك ينبغي التمييز بين المخالفات التي قالت اللجنة المستقلة إنها ثبتت وبين العقوبة التي لم تكن قد حُسمت في البيان المنشور.
وتكتسب القضية بعدا يتجاوز كرة القدم بسبب العلاقة بين النادي ومجموعة أبوظبي المتحدة للاستثمار والتطوير، المرتبطة بالشيخ منصور بن زايد، الذي اشترى مانشستر سيتي عام 2008. وذكرت رابطة الدوري أن اللجنة خلصت إلى أن المجموعة مولت جزءا من ترتيبات تجارية اعتُبرت صورية، وهو ما ربط بين القضية المالية للنادي والتمويل القادم من أبوظبي.
خامسا: ما وراء كرة القدم.. عقارات مانشستر والتمويل العام وشروط السرية
لا تنحصر العلاقة الإماراتية بمانشستر سيتي في الرياضة. فمنذ عام 2014، ارتبطت مجموعة أبوظبي المتحدة بمشروع "مانشستر لايف"، وهو مشروع عقاري مشترك مع مجلس مدينة مانشستر لتطوير مناطق سكنية في المدينة، بينها أنكووتس ونيو إزلنغتون.
وأعادت تغطية صحيفة "ذا تايمز"فتح النقاش بشأن اتفاقات التطوير العقاري، بعدما أفادت بأن عقودا تتعلق بأراضٍ عامة تضمنت بنودا سرية قيدت ما يمكن لمسؤولي المجلس والسياسيين الكشف عنه علنا، بما في ذلك تفاصيل تجارية وأحيانا وجود الاتفاقات نفسها، إلا بموافقة جهات مرتبطة بالمستثمرين الإماراتيين.
واستند التقرير إلى وثائق حصلت عليها الصحيفة عبر طلبات حرية المعلومات، ولفت إلى أن هذه البنود أثارت مخاوف بشأن الشفافية والمساءلة في صفقات تستخدم أراضي وموارد عامة. وفي المقابل، دافع مسؤولون سابقون عن الشراكات، مشيرين إلى دورها في تجديد مناطق متدهورة وجذب استثمارات إلى المدينة.
وكان تقرير بحثي مستقل نُشر عام 2022 عن مشروع «مانشستر لايف» قد قدر أن المشروع استفاد من قروض عامة بنحو 55 مليون جنيه إسترليني، إلى جانب استخدام أراضٍ عامة وإعفاءات من بعض متطلبات الإسكان الميسور التكلفة. وانتقد التقرير طبيعة الشراكة من زاوية المصلحة العامة والشفافية وتوزيع منافع التطوير، وهي انتقادات سابقة منفصلة عن القضية المالية الأخيرة المتعلقة بمانشستر سيتي.
ويعني ذلك أن الجدل الحالي لا يتعلق فقط بتذاكر المباريات أو الضيافة، بل بأسئلة أوسع حول طبيعة العلاقة بين رأس المال الإماراتي والسلطات المحلية والسياسيين، ومدى وضوح الشروط التي تحكم الاستثمارات التي تستخدم الأراضي أو التمويل العام.
سادسا: هل تثبت الأرقام وجود نفوذ إماراتي في القرار البريطاني؟
أثارت الأرقام ردود فعل من جهات معنية بالشفافية والإنفاق العام. ونقل تحقيق "ذا صن" عن ويليام ياروود، من "تحالف دافعي الضرائب"، قوله إن حصول السياسيين على هدايا قد تؤدي إلى تضارب مصالح يثير قلق المواطنين، خصوصا في ظل التدقيق في علاقات مانشستر سيتي بملاك من أبوظبي. ودعا إلى الالتزام بأعلى معايير النزاهة وتجنب أي تضارب محتمل.
في المقابل، لا تكفي قيمة الهدايا وحدها لإثبات أن الإمارات "اشترت" قرارات سياسية أو أن كل نائب قبل ضيافة ارتكب مخالفة. يتطلب ذلك فحصا فرديا للسجلات، وطبيعة الهدية، والغرض من تقديمها، وما إذا كان المستفيد قد شارك لاحقا في قرار له صلة مباشرة بالجهة المقدمة، ومدى التزامه بقواعد الإفصاح.
لكن حجم المزايا، واتساعها لتشمل عدة أحزاب، وارتباط بعضها بالنادي الذي يواجه واحدة من أكبر القضايا التأديبية في تاريخ الدوري الإنجليزي الممتاز، تجعل من الشفافية ضرورة سياسية ومؤسسية، لا مجرد مسألة بروتوكولية.
أما بالنسبة لبيرنهام، فإن تعهده بنشر جميع اتصالاته مع مانشستر سيتي خطوة نحو الإجابة عن الأسئلة المطروحة، لكنها لا تنهي الجدل تلقائيا. وتتركز المطالب الآن على معرفة مضمون الاجتماعات، وتفاصيل الضيافة، وما إذا كانت هناك اتصالات إضافية لم تُكشف بعد، فضلا عن توضيح أي صلة بين علاقات الاستثمار الإماراتي والقرارات الحكومية الحالية.